‏إظهار الرسائل ذات التسميات لنا نحن العرب. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات لنا نحن العرب. إظهار كافة الرسائل

الثلاثاء، مايو 13، 2008

فلسطين ...وجع قلب ازلى






قضايا و اراء:

القضيــة الفلســطينية في نهايــة الطريــق
بقلم : فهمـي هـويـــدي

حلول العام الستين للنكبة مناسبة لإلقاء نظرة فاحصة علي مشهد الصراع‏,‏ لكي نفتش عما تبقي لنا من أوراق وخيارات‏,‏ وما يلوح لنا من آفاق‏.

‏‏(1)‏ قرأت قصة الحاجة جميلة أبو عبية التي ولدت في قرية سيدنا علي بقضاء يافا في سنة‏1930‏ التي هجرت مع أسرتها بعد حرب عام‏48‏ إلي قرية المقيبلة شمال جنين‏.‏ وبعد حرب‏67‏ انتقلت إلي العيش في نابلس‏,‏ وظلت طوال الوقت تحتفظ بمفتاح بيت أسرتها في قرية سيدنا علي‏.‏ ومع المفتاح احتفظت بكل الأوراق الرسمية التي تثبت ملكية البيت‏,‏ كما أنها لم تفرط في بندقية قديمة مما اقتنته أسرتها لتدافع عن بيتها وأرضها في عام‏1948.‏اشتهرت الحاجة جميلة بقوة ذاكرتها وحجتها‏,‏ ويذكرون لها أنها استقبلت ذات يوم المسئول الأول عن وكالة الغوث الدولية‏,‏ الذي سألها عما إذا كانت تقبل مليون دولار تعويضا لها عن أرض أسرتها ومنزلها في قرية سيدنا علي‏.‏ فكان ردها‏:‏ وفر مليونك واعطني بدلا من ذلك خيمة أقيمها فوق تراب بيتي الذي هدم‏,‏ أقضي فيها بقية حياتي‏.‏ ذلك لم يحدث بطبيعة الحال‏,‏ ولكن الذي حدث أن الحاجة جميلة قامت في سنة‏2005‏ بزيارة لبعض أهلها في قرية المقيبلة الذين هاجروا معها في سنة‏48‏ ثم دفعها الحنين إلي زيارة مسقط رأسها في سيدنا علي‏.‏ وشاءت المقادير أن تكون صورة القرية هي آخر ما وقعت عليها عيناها من فلسطين‏.‏ لأنها ماتت بعد ذلك بأربعة أيام‏.

2-‏أبو السعيد فلسطيني آخر من جيل الحاجة جميلة‏,‏ في عام‏48‏ اضطرت عائلته إلي الهجرة من قريتهم مجد الكروم التي تطل علي البحر قرب عكا‏.‏ نزحوا إلي مدينة الخليل في الضفة أملا في أن يعودوا إلي قريتهم بعد ذلك‏.‏ فهاجر الرجل مرة ثانية إلي عمان ليستقر في مخيم الوحدات‏.‏ ومن عمان ذهب إلي الكويت للعمل هناك‏.‏ لكن احتلال العراق للكويت في عام‏90‏ اضطره للهجرة مرة أخري إلي الأردن‏,‏ ولا يزال يقيم هناك إلي الآن‏,‏ إلا أنه بعدما بلغ من العمر‏75‏ سنة فقد الأمل في العودة إلي قريته أم الكروم‏,‏ التي محيت من الخريطة الفلسطينية في طبعتها الإسرائيلية‏,‏ لكنه واثق من أن واحدا من أحفاده الـ‏25‏ سيعود في يوم لا يعرفه‏,‏ لكنه يحلم به كل يوم‏.

‏‏(3)‏ ليست هذه قصة اثنين من فلسطين‏,‏ ولكنها قصة أكثر من ستة ملايين شخص من أمثالهما يعيشون في الشتات منذ ستين عاما‏(‏ هناك ثلاثة ملايين آخرون نصفهم يعيشون في قطاع غزة والنصف الآخر لا يزال باقيا داخل إسرائيل‏.‏ ولا يزال كبار السن يحملون مفاتيح بيوتهم التي طردوا منها وأوراقهم التي تثبت ملكيتهم لها‏,‏ وهؤلاء هم الذين طردوا في عام‏48‏ من‏530‏ مدينة وقرية‏,‏ ومن‏662‏ ضيعة ونجعا‏.‏رحلة الستين عاما يوزعها الدكتور علي الجرباوي أستاذ العلوم السياسية بجامعة بير زيت بين ثلاث مراحل هي‏:‏

**النكبة(1948)التي اقترنت باستيلاء الصهاينة بالقوة المسلحة علي‏78%‏ من أرض فلسطين وأقاموا عليها عام‏48‏ دولتهم‏,

‏** والنكسة(1967) التي أتمت فيها إسرائيل سيطرتها علي كامل الأراضي الفلسطينية في عام‏1967‏ ***والهلكة (1993)التي بدأت باتفاق أوسلو عام‏93(‏ أفضل تسميتها الوكسة التي تطلق في العامية المصرية علي الخيبة الكبري‏),‏ وهي المستمرة إلي الآن‏.‏ والتي عملت فيها علي تقنين إخضاع الفلسطينيين وإضفاء الشرعية علي الأراضي التي احتلتها في عام‏67.

‏خلال الخمس عشرة سنة الأخيرة تحركت إسرائيل علي أربعة مستويات‏.:‏

الأول :استمرار التفاوض مع قيادة السلطة الفلسطينية لكسب الوقت والحصول علي المزيد من التنازلات ـ
الثاني: تدمير المقاومة الفلسطينية من خلال التصفية الجسدية والاجتياحات

الثالث: التمدد علي الأرض من خلال الاستيطان وإقامة السور الذي ابتلع المزيد من الأراضي ـ

الرابع :اختراق العالم العربي من خلال التطبيع المعلن وغير المعلن‏.‏طوال الخمس عشرة سنة هذه تعددت المشاريع والمبادرات والخطط التي طرحت لتسوية الموقف والبحث عن حل نهائي للقضايا العالقة بين الفلسطينيين والإسرائيليين‏,‏ وكانت آخرها خريطة الطريق التي طرحتها الإدارة الأمريكية في عام‏2003‏ ورؤية بوش‏(2004)‏ التي تبنت فكرة إقامة الدولة الفلسطينية إلي جانب الإسرائيلية‏,‏ وتحددت نهاية العام الحالي‏(2008)‏ موعدا لإقامة الدولة الفلسطينية‏.

‏خلال الفترة نفسها حدثت ثلاثة تطورات مهمة في الساحة العربية‏.
‏ **أولها الإعلان الرسمي عن اعتبار السلام خيارا استراتيجيا للعرب في تعاملهم مع إسرائيل ـ خيارا
وحيدا إن شئت الدقة ـ


**وثانيها إعلان المبادرة العربية في قمة بيروت‏(2002)‏ التي عرض فيها القادة العرب الاعتراف والتطبيع الكامل مع إسرائيل في مقابل انسحابها من الأراضي التي احتلتها في عام‏67‏ ـ
**ثالثها إعادة اصطفاف الدول العربية وانقسامها إلي أقطار معتدلة وأخري متطرفة‏.‏ الأولي تعتبر أن إيران العدو وليس إسرائيل‏,‏ والثانية علي العكس تري في إسرائيل العدو الحقيقي وليس إيران‏.‏ ولأن الدول الأولي هي الأكبر عددا والأقرب إلي الولايات المتحدة وإسرائيل‏,‏ فإن ذلك أدي إلي تهميش القضية الفلسطينية وتراجع أولويتها عربيا‏.‏‏(3)‏ الموقف العربي أدي إلي طمأنة إسرائيل استراتيجيا‏,‏ إذ لم يعد يقلقها في العالم العربي سوي حزب الله والموقف السوري الممانع‏(‏ حتي الآن‏)‏ والمستضيف لقيادات المقاومة‏.‏ فحكاية السلام كخيار استراتيجي أراحتها كثيرا‏,‏ ورفضها المبادرة العربية لم يغضب الدول التي تبنتها‏,‏ وحين انطلت علي العرب حكاية الدول المعتدلة والمتطرفة فإن ذلك بعث إليها برسالة تقول إن بعض العواصم العربية لم يعد يري في إسرائيل الخطر الأول‏.‏وعندما انضاف إلي ما سبق انقسام الصف الفلسطيني بين فتح وحماس‏,‏ فإن ذلك وفر لها فرصة لا تعوض سواء مماطلة الطرف الفلسطيني المفاوض لها‏,‏ الذي صار أضعف ولم يعد يمثل إجماعا فلسطينيا‏.‏ولأنها كانت مطمئنة أيضا إلي أن الإدارة الأمريكية مؤيدة لها علي طول الخط‏,‏ فإن مجمل هذه العوامل شجعها علي التمادي في المراوغة والتشدد‏.‏ إذ بعد أكثر من‏20‏ اجتماعا بين أبو مازن وأولمرت‏.‏ وأكثر من‏50‏ لقاء بين أبو قريع رئيس الفريق الفلسطيني المفاوض وبين تسيبي ليفني وزيرة الخارجية الإسرائيلية‏,‏ وبعد‏15‏ زيارة قامت بها كوندوليزا رايس للمنطقة بهدف تحريك مفاوضات السلام‏,‏ كان العرض الإسرائيلي للحل النهائي كالتالي‏:
‏‏*(‏ منطقة القدس الكبري‏),‏ مستثناة من التفاوض‏,‏ وهي جزء من دولة إسرائيل تم ضمه إليها عام‏1967‏ وهي تمتد من أطراف رام الله إلي أطراف مدينة بيت لحم‏.‏‏
*(‏ منطقة الحوض المقدس‏),‏ التي تشمل البلدة القديمة في القدس‏,‏ وحي سلوان‏,‏ تكون السيادة عليها إسرائيلية‏,‏ مع إدارة فلسطينية أو إسلامية للمسجد الأقصي والأوقاف الإسلامية‏.
‏‏*(‏ الكتل الاستيطانية‏)‏ في الضفة الغربية‏,‏ يتم ضمها كلها إلي إسرائيل‏,‏ ويحق لهذه الكتل أن تتوسع أفقيا لتحقيق التواصل الجغرافي فيما بينها‏,‏ أما الأراضي الفلسطينية المقطعة فمسموح لها فقط أن تتواصل من خلال الجسور والأنفاق‏.
‏‏*(‏ منطقة غور نهر الأردن‏),‏ تبقي تحت السيطرة الإسرائيلية مع مستوطناتها‏,‏ وهي تشمل منطقة واسعة بعمق‏17‏ كلم تمتد من نهر الأردن إلي أطراف منطقة طوباس‏.
‏‏*(‏ قضية اللاجئين‏),‏ ترفض حكومة أولمرت عودة أي لاجئ فلسطيني إلي دولة إسرائيل‏,‏ وتوافق علي لم شمل لعشرة آلاف شخص فقط‏.‏هذه المقترحات الصادمة أعدها مكتب أولمرت وأبلغت إلي أبو مازن‏,‏ كما عرضتها تسيبي ليفني علي أحمد قريع ولخصتها بثلاث نقاط‏
:‏ سيطرة إسرائيلية علي الكتل الاستيطانية‏,
‏ وسيطرة إسرائيلية علي منطقة القدس‏,
‏ وسيطرة إسرائيلية علي غور الأردن‏.‏‏
(4)‏ هذه النقاط الخمس نقلتها عن مقال كتبه الأستاذ بلال الحسن الصحفي والسياسي الفلسطيني البارز في جريدة الشرق الأوسط في‏5/4‏ الحالي‏,‏ ليس فقط ثقة في اطلاعه ومصادره‏,‏ ولكن أيضا لأنها تعبر بدقة عن المضمون الذي خلص إليه ا ثنان من الباحثين الإسرائيليين المهمين في كتابين صدرا هذا العام‏,‏ وعرضها هنري سيجمان وهو باحث يهودي محترم في عدد‏10‏ أبريل‏/‏ نيسان من مجلة لندن ريفيو أوف بوكس‏,‏ وقد أشرت إلي هذين الكتابين في مقام آخر‏.‏ والكتابان هما إمبراطورية الصدفة لمؤلفه جيرشوم جورنبرج وأسياد البلاد لمؤلفته إيديث زرتال‏.‏ والكتابان يقولان بصراحة إن إسرائيل لم تكن جادة في أي وقت في مناقشتها موضوع الدولة الفلسطينية المجاورة‏,‏ لكنها عملت طول الوقت علي استحالة قيام تلك الدولة من الناحية الجغرافية‏,‏ عن طريق تكثيف إقامة المستوطنات في الضفة‏,‏ ليصبح نهر الأردن هو الحد الشرقي لها‏.‏ وغاية ما تقبل له في ظل الخلل الحالي في موازين القوة هو إقامة حكم ذاتي فلسطيني تحت السيطرة الاستراتيجية الإسرائيلية الكاملة‏.‏الإحباط الذي عبر عنه أبو مازن أكثر من مرة في الآونة الأخيرة يدل علي أن الرجل أدرك في نهاية المطاف أن إسرائيل لن تقدم له شيئا يحفظ ماء الوجه‏.‏ فإذا لم يستطع أن يطلق أسيرا فلسطينيا واحدا ولم ينجح في إزالة شيء من الـ‏600‏ حاجز التي وضعتها إسرائيل لتعذيب الفلسطينيين وشل حركتهم‏,‏ وفشل في أن يوقف غول الاستيطان الزاحف‏,‏ فلن يكون بوسعه أن ينجز شيئا مما وعد به في موضوع الدولة التي عاصمتها القدس‏.‏ وبعد أن تواترت التصريحات والتعليقات الفلسطينية التي تحدثت عن الفشل تلو الفشل في المفاوضات‏,‏ وجدنا المتحدث باسم الرئاسة نبيل أبو ردينة يصرح لصحيفة الأيام الفلسطينية في‏6‏ مايو الحالي بأن أبو مازن سوف يضطر لاتخاذ قرارات دراماتيكية إذا لم يستطع التوصل إلي اتفاق مع الإسرائيليين في المفاوضات الجارية‏.‏ليس معروفا علي وجه الدقة ما هي طبيعة هذه الإجراءات لكن القرائن التي بين أيدينا تدل علي أن أبو مازن وصل إلي نهاية الطريق في سيره وراء خريطة الطريق‏.‏ وأن المفاوضات صارت عبئا علي القضية وليس عونا أو حلا لها‏,‏ وأن التقدم نحو حل الدولتين لم يحقق أي خطوة إلي الأمام خلال الخمس عشرة سنة التي حلت فيها الوكسة‏.‏الدكتور علي الجرباوي لا يري مخرجا من المأزق إلا بإعلان حل السلطة الفلسطينية والعودة إلي الاحتلال الإسرائيلي مرة ثانية‏,‏ واحتشاد الجميع وراء النضال لإقامة الدولة الواحدة‏.‏ وقد أخبرني أن استطلاعا أجري أخيرا في الأرض المحتلة بين أن‏30%‏ من الفلسطينيين يؤيدون هذا الحل‏,‏ الذي يبدو أن أنصاره يتزايدون بين المثقفين الفلسطينيين الذين يقف الدكتور عزمي بشارة في مقدمتهم‏.‏ وكان أحدثهم الكاتب الفلسطيني ماجد كيالي الذي كتب مقالا قبل أيام دعا فيه إلي التفكير في حل السلطة‏(‏ الحياة اللندنية‏5/5)..‏ وإن وصول الجميع إلي نهاية الطريق يتطلب إعادة التفكير بصورة جذرية في البدائل المتاحة‏.‏